السيد كمال الحيدري
97
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
التبيين لقد كان القرآن الكريم تبياناً لكلّ شيء ، ولازال كذلك ، وهذا ما صرّح به القرآن « 1 » ، واتّفقت عليه كلمة الأعلام ؛ ولكن القرآن الكريم - كما هو واضح لدى المطّلعين - قد سلك في مجموع بياناته ، أو الأعمّ الأغلب منها ، مسلكاً إجمالياً ، فهو تبيان في إجماله ، لا أنّه ذكر كلَّ صغيرة وكبيرة للأُمّة ، فمن البيّن جدّاً أنّ التفصيلات الشرعية التكليفية والوضعية لم يتعرّض لها القرآن الكريم في بياناته الظاهرية « 2 » ، هذا وجه ، والوجه الآخر هو أنّ بياناته شاملة لكلّ شيء ولكن نوعية المُخاطب بها مُختلفة تبعاً لاستعدادات المُتلقّي ، فالمعصوم بصفته راسخاً في العلم يمتلك الأهلية في قراءة القرآن بكمالاته التامّة ولكن بقراءة تفحّصية لم يتعرّض لها القرآن الكريم في بياناته ، فيكون واقفاً على ما لا يسع الآخرون ذلك ، وقد نبّهنا لذلك في الهامش . وعلى أيّ حال ، فإنّ المراد من التبيين في المقام هو بيان التفصيلات الشرعية من قبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام بصفتهم الوارثين لعلمه ، وهذه الوظيفة الإلهية رسمها لنا القرآن بنفسه ، قال تعالى : . . . وَأَنزَلْنَا
--> ( 1 ) قال تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ . . . . النحل : 89 . ( 2 ) قيّدنا ذلك بالظاهرية لعدم علمنا بما عليه الباطن القرآني أو الظاهر منه ولكن بقراءة تفحّصية ثاقبة ، وهنالك رأي يقول بأنّ القرآن لم يُغادر صغيرة ولا كبيرة البتّة إلا وبيّنها ، ولو أنّ الأُمة قد سألت أهل الذكر أو الراسخين في العلم عن منشأ التفصيلات من القرآن لأجابوهم قرآنياً ، وليس ذلك ببعيد ، فلعلّ من الوجوه التفسيرية لقوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . الكهف : 49 ، هو البيانات القرآنية التفصيلية لكلّ شيء ، فيكون المراد من الكتاب في هذه الآية الكريمة هو القرآن ، ولكن بقراءة تفحّصية أو باطنية . .